
رجعت بدري عشان أعمل مفاجأة لمراتي الحامل.. ولقيتها متهانة ومكسورة في قلب بيتي لسه فاكر صوت خروشة أكياس البلاستيك اللي كانت في إيدي.. ورد أبيض.. طاقية صوف صغيرة للمولود.. وعلبة كادوهات اشتريتها في آخر لحظة من الصيدلية اللي في وشنا.. كل ده عشان ميعادي في البنك اتلغى، وقلت استغل الفرصة وأرجع بدري عشان أشوف ضحكة مراتي قبل ما الليل يليل. مراتي كان اسمها كريمة.
كانت حامل في الشهر السابع في أول طفل لينا. كريمة مكنش ليها حد في الدنيا.. لا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت. مكنش ليها بيت طفولة تروح تستخبى فيه لما الدنيا تضيق بيها. كبرت في دور رعاية، واتنقلت بين أوض مؤقتة، وفي الأماكن دي الواحد بيتعلم من صغره إزاي ميكونش حمل على حد ولا يزعج حد. حتى لما كبرت، كانت بتعتذر لو كوباية اتدلقت، أو لو سكتت زيادة عن اللزوم، أو لو دموعها خانتها في وقت مش مناسب. هي دي كريمة.. ست طيبة وهادية، من نوع الناس اللي تحبهم لأنهم بيدوا من غير ما يطلبوا أي حاجة في المقابل.
كنت عارف إن حملها صعب.. دوخة، وترجيع، وتعب مبيخلصش. ساعات كتير كنت برجع ألاقيها نايمة على الكنبة وإيدها على بطنها، وكأنها كانت بتحاول تستناني لأخر لحظة رغم التعب اللي هادد حيلها. عشان كدة قررت أجيب “مساعدة” (شغالة) بالبيت. واحدة “سمعتها سبقاها”، ست جد ومظهرها محترم، رشحتها لي ملامحها وتصرفاتها زوجة واحد زميلي في البنك. من الستات اللي الناس بتسمع كلامهم لمجرد إنهم بيتكلموا بثقة وبيعرفوا يمثلوا الأدوار صح. كان اسمها مدام فوزية. من نوع الستات اللي تبصلك وكأنها عارفة تفاصيل حياتك أكتر منك.
لما فتحت الباب يوم الجمعة ده، في حاجة غريبة قبضت قلبي فوراً. هوا البيت مكنش طبيعي.. كان فيه توتر غريب، وسكوت تقيل.. مش السكوت الهادي بتاع البيوت الفاضية، لا.. ده كان سكوت مشحون، كأن في حاجة حصلت قبل ما أدخل بلحظة. حطيت الأكياس في الطرقة، ودخلت على الصالة. وهنا.. الدنيا وقفت بيا. كريمة كانت راكعة على ركبها على السيراميك. مبلولة مية.. وغرقانة في مية وسخة، لونها رمادي وريحتها منظفات وجردل قديم مركون.
بإيد كانت بتحمي بطنها المدورة، وكأنها حتى وهي في الحالة دي مفيش في دماغها غير حاجة واحدة: ابننا. وبالإيد التانية كانت بتدعك دراعها بخرقة خشنة، لدرجة إن جلدها بقى أحمر ومسلخ. كانت بتعيط من غير ولا صوت. وده اللي كسرني.. مش الصريخ، ولا المنظر.. لا، نهجانها المكتوم والمكسور وهي متهانة.. كأنها اقتنعت إن الوجع كمان لازم يكون في صمت. — “خلاص هخلص أهو.. قربت أنضف.. أنا أسفة.. أسفة..” صوتها كان واطي لدرجة إني مسمعتوش بودني، أنا حسيته بصدري.
مدام فوزية كانت قاعدة على الكرسي بتاعي، وحاطة رجل على رجل، وكأنها صاحبة البيت. كانت بتتفرج على برنامج مسابقات في التلفزيون ومعلية الصوت على الآخر، وبتاكل ببرود من الفراولة اللي أنا شاريها الصبح لـ كريمة. وفي أوضة السفرة، زي التماثيل، كانوا قاعدين أمي “هدى” وأختي “سلوى”. كانوا جايين قال إيه “يقضوا وقت مع كريمة”. ولا واحدة فيهم اتحركت. أمي كانت ماسكة شنطتها وقافشة فيها، وسلوى وشها كان خاطف ونازلة بعينيها الأرض، والكسوف باين على وشها كله.
بس لا دي ولا دي اتدخلت. كأن مدام فوزية مع الوقت سيطرت على البيت كله، وبقت وجود مرعب الكل بيخاف منه وبيستسلم ليه. وفجأة الست دي اتكلمت، من غير حتى ما تلتفت لـ كريمة: — “ادعكي أجمد.. لسه مش نظيف. إنتي فاكرة إن في راجل بيرجع بيته عشان يشوف المنظر ده؟ ريحة القرف طالعة منك لبعيد.” كريمة بدأت تدعك أقوى.. وكتافها بتترعش. — “أرجوكي.. متمثليش قدامه.. أنا مش عاوزاه يشوفني ضعيفة.. هعيد تاني.. أبوس إيدك..”
حسيت بدمي بيغلي.. مدام فوزية ضحكت ضحكة ناشفة وقالت: — “يا حبيبتي.. إنتي فاكرة إنه هيحميكي؟ الرجالة اللي زيه بيرجعوا متأخر لما بيبقوا مش عاوزين يشوفوا الحقيقة. ولو فضلتي تعملي مشاكل، هقول إنك مريضة نفسياً ومش متزنة. ومحدش هيصدق واحدة وحيدة، ملهاش أهل ولا سند. هيفتكروكي مجنونة.. والبيبي هيفضل هنا.” كريمة وطت راسها.. وفضلت تدعك في دراعها ورقبتها ورجليها، كأن الوجع ممكن يمسح الإهانة. في اللحظة دي، خطيت خطوة لقدام. المكان اتقلب في ثانية. مدام فوزية رفعت عينها وبصتلي.. وشها بقى زي الورقة البيضا من الرعب.
أمي فتحت بوقها ومش عارفة تنطق، وسلوى حطت إيدها على بوقها من الصدمة. أما أنا.. فضلت واقف مكاني، مشلول وأنا ببص لمراتي. ركبها المحمرة على السيراميك.. جلدها الملتهب.. بطنها اللي شايلة ابني.. والخوف اللي في عينيها. الست اللي حبيتها أكتر من أي حاجة في الدنيا، متهانة وبتمسح الأرض وكأنها مذنبة في بيتها، وأنا بكل بلاهة كنت فاكر إني بوفر لها حياة مرتاحة. وفي لحظة، فهمت حاجة كان لازم أفهمها من بدري. في الوقت اللي كنت فاكر إني بحميها، كنت سايبها لوحدها مع اللي بتنهش فيها.
مكلمتش ولا كلمة لسه.. بس شفت في عيون أمي نظرة خلت جسمي يقشعر. مش بس خوف.. ولا بس كسوف.. دي كانت حالة رعب حقيقي. كأن اللي شفته ده مكنش مجرد “حادثة” أو “صدفة”. كأنهم كلهم عارفين إن كريمة مكنتش هي الهدف الحقيقي. وفي اللحظة دي، حسيت إن البيت ده مخبي سر أوسخ بكتير من اللي شفته في الصالة. سر مكنش في حساباتهم أبداً إني أرجع بدري وأكشفه. واللي عرفته بعد كدة، خلاني أفهم إن الأسوأ مكنش اللي عملوه في كريمة.. الأسوأ كان السبب اللي خلاهم يختاروها هي بالذات.
من قلة العقل .. إنك ما تعرفش تفرق بين الزعل و الحق تزعل من أمك ممكن إنما تخاصمها لأ ، تزعل من مراتك بيحصل ، إنما تمنع من مصروف البيت أو من أهلها لأ ، تزعل من إبنك جايز ، إنما تحرمه من الميراث لأ ، تاخد علي خاطرك من صاحبك مفيش مشكلة ، إنما تتكلم عليه بالكذب والأفتره لأ… الزعل والخلافات ياما بتحصل ..
لكن إنك تيجي علي حد وتبقي جاحد وتفجر لما تخاصم ده اللي مش بيتنسي ، وبيخلي غيرك مقلق منك وما بيعرفش يديك الأمان ويطمنلك بعدها بسهولة ، وزي ما بتقول الكلمة الشهيرة خاسر الود وإن عاد نادما لا ود له…صرخت فيها والدموع محبوسة في عيني من القهر: — “مصلحتي إيه يا أمي؟ إنتي دمرتي صورة الأم في عيني.. الست اللي شفتها النهاردة بتهين مراتي، وإنتي ساكتة وبتاكلي فراولة ببرود، متفرقش عنك كتير. أنتوا الاتنين كنتوا بتنهشوا في لحم واحدة غلبانة ملهاش ضهر.”
أمي قامت وقفت، وحاولت تستعيد كبريائها وقالت بنبرة حادة: — “بكرة تندم يا ابني.. بكرة لما العيل ده يجي وتعرف إنك كنت محتاج لخبرتي وأصلي، هتعرف إن الست دي كانت هي اللي هتربيك إنت ومراتك. إحنا ماشيين.” — “فعلاً يا أمي.. إنتي ماشية.. ومش هترجعي هنا تاني.” وقفت قدامها وبصيت في عينيها بثبات: — “البيت ده باب مقفول عليا أنا ومراتي وابني اللي جاي. مش هسمح لأي حد، حتى لو كانت أمي، إنه يكسر فرحتنا أو يهين كرامة مراتي. يا ريت تأخدي سلوى وتمشوا دلوقتي.. حالاً.”
أمي بصتلي بذهول، كأنها متخيلتش أبداً إن “ابنها الحبيب” ممكن يطردها. لمت حاجتها بعصبية وجرت سلوى من إيدها وخرجوا من الباب وهما بيبرطموا بكلام مش مفهوم. قفلت الباب وراهم بالمفتاح.. وسندت ضهري عليه وغمضت عيني. النفس اللي خرج مني كان فيه جبال من الهم بتنزاح. رحت لـ كريمة. كانت لسه قاعدة على الكنبة، منكمشة في المفرش اللي غطيتها بيه، وعينيها مش مصدقة اللي حصل. كانت بتبصلي بخوف واندهاش، كأنها خايفة أكون لسه غضبان عليها هي.
قعدت على الأرض قدامها، ومسكت إيدها وبستها: — “أنا أسف يا كريمة.. أسف إني سيبتك لوحدك في الغابة دي. أسف إني كنت أعمى ومفتكر إن الفلوس والراحة المادية هي كل حاجة.” كريمة بدأت تعيط بحرقة، بس المرة دي كانت دموع راحة: — “أنا كنت فاكرة إنك هتصدقهم.. كنت خايفة تقول عليا مجنونة زي ما قالت.. أنا مليش حد غيرك يا (اسمي).” — “إنتي ضهري وسندي يا كريمة.. وابننا ده هيطلع في بيت مليان حب وكرامة، مش بيت مبني على الكسر والإهانة. من النهاردة مفيش حد هيدخل بيتنا ده غير اللي بيحبنا بجد.”
شيلتها براحة ودخلتها الحمام، جهزتلها مية دافية وسبتها ترتاح وتغسل أثر المية الوسخة والوجع اللي عاشته. ودخلت أنا المطبخ.. شفت بواقي الفراولة اللي مدام فوزية كانت بتاكلها.. رميتها في الزبالة بكل قرف. مسحت الأرضية اللي كريمة كانت راكعة عليها، مسحتها بقلبي قبل إيدي، كأني بمسح أثر كل لحظة ذل عاشتها في غيابي. بعد ساعة، كانت كريمة نايمة في سريرنا بهدوء لأول مرة من شهور. فتحت اللابتوب بتاعي، وبدأت أدور على كاميرات المراقبة اللي كنت مركبها “للحماية” ومكنتش بفتحها أبداً لأني كنت واثق فيهم.
قعدت ليلة كاملة أتفرج على اللي كان بيحصل.. وشفت العجب. شفت مدام فوزية وهي بتجبرها تنظف البيت بليل وهي بتعيط من التعب. شفت أمي وهي بتلقح عليها كلام يسم البدن عن أصلها وفصلها. وشفت “السر” اللي مكنتش أتوقعه.. مدام فوزية كانت بتسرق دهب كريمة وحاجاتها البسيطة اللي كانت شايلاها للبيبي، وأمي كانت شايفة وساكتة.. كأنها كانت بتبتزها بالسكوت ده عشان تنفذ طلباتها في كسر كريمة. قفلت الجهاز وأنا حاسس إني ولدت من جديد. النهاردة، أنا مش بس بقيت أب لسه هييجي.. أنا بقيت راجل عرف يحمي بيته من أقرب الناس ليه قبل أبعدهم.
كريمة صحيت الصبح، لقتني مجهز الفطار وجايب ورد جديد. بصتلي وابتسمت.. ضحكتها كانت منورة الوش اللي كان ذبلان من يومين. — “شكراً إنك رجعت بدري يا حبيبي.” بست راسها وقلت: — “أنا اللي أشكرك إنك استحملتي عشاننا.. والنهاردة، هنبدأ صفحة جديدة.. صفحة مفيش فيها غيرنا.” النهاية..

