
أخويا رماني من على الكرسي المتحرك قدام العيلة كلها.. بس ملامحه اتجمدت لما دكتوري نطق وكسره بـ 5 كلمات بس! في ليلة عيد ميلاد جدتي الـ 75، كان البيت كله ملموم.. الجنينة مليانة كراسي، وفروع نور رخيصة، وريحة الشوي مالية المكان. أمي كانت مشغولة بترص “الكب كيك” على الترابيزة، وولاد أعمامي بيجروا ويلعبوا في كل حتة، وصوت الأغاني كان عالي ومغطي على الكلام.. كل حاجة كانت باينة إنها دافية وطبيعية.. بس الحقيقة كانت غير كدة خالص.
أنا قضيت أول ساعة في الحفلة بعمل أكتر حاجة بقيت محترفة فيها بقالي 8 شهور: إني أمثل إني مش واخدة بالي من نظرات الشفقة، ولا من الناس اللي بتوطي صوتها لما بمر من جانبهم، ولا من اللي بيفضلوا باصين لرجلي ومستنيينها تتحرك فجأة عشان يقولوا إني “كـ,ـدابة”.
أنا اسمي “إيمان”.. عندي 28 سنة، وكنت شغالة مساعدة علاج طبيعي قبل الحادثة اللي حصلت لي على الطريق السريع.. الحادثة دي دمرت لي أعصابي، وعملت بسببها عمليتين في العمود الفقري، وبقيت في رحلة علاج طويلة وتتعب. في الأيام الكويسة، كنت بقدر أقف لثواني، وفي جلسات العلاج بمساعدة الدكاترة كنت بمشي كام خطوة.. لكن مستحيل كنت أقدر أمشي لوحدي في جنينة أرضها مش متساوية ومليانة دوشة وزحمة. بس أخويا “رائد” كان شايف إن كل ده تمثيل!
بقاله شهور بيسمعني كلام زي السم: “غريبة إنك بتعرفي تحركي رجلك في الفيديوهات!”.. “غريبة إن الدكاترة مش مديين كلمة قاطعة!”.. “غريبة إنك دايمًا محتاجة مساعدة لما يكون فيه ناس باصة عليكي!”. كان بيقول الكلام ده وهو بيضحك، كأن قلة الأصل ممكن تتبلع لو اتقالت في شكل هزار.. وللأسف فيه قرايب كانوا بيضحكوا، لأن الضحك أسهل من المواجهة. شفته وهو جاي ناحيتي وفي إيده كوباية، وعلى وشه التكشيرة اللي بتقول إن فيه “نمرة” هيعملها دلوقتي.. النمرة اللي بيستعرض فيها قدام الناس.
بصوت عالي خلى نص الموجودين ينتبهوا، قال: “شوفوا مين اللي نورتنا.. مأساة العيلة ماشية على عجل!”. رديت عليه وصوتي ثابت: “مش وقتك خالص يا رائد، فوت اليوم”. ابتسم بسماجة وقال: “لا ده وقته ونص.. لأني زهقت من تمثيلية كل اللي حواليكي دي”. فجأة الكلام هدي، وطنط “سعاد” ابتسمت بتوتر وهي بتحاول تلطف الجو من غير ما توقف قلة أدبه، وابن عمي “مازن” وطى راسه وبص في موبايله.. مفيش حد نطق بكلمة! رائد وقف قدام الكرسي بتاعي بالظبط وقال: “عارفة أنا شايف إيه؟ أنا شايف إنك أدمنتي تكوني محور الاهتمام”.
قلت له بحدة: “ابعد عني يا رائد”. قرب أكتر وهو بيوشوشني بغل: “أنا متأكد إنك بتمشي زي الفل”. إيدي كلبشت في ساندات الكرسي من الغيظ، وقلت له: “قلت لك ابعد عني!”. وهنا راح زاعق بصوت مسرحي كأنه بيختم نكتة بايسخة كان محضر لها: “كفاية تمـ,ـثيل بقى عشان تشحتي اهتمام الناس!”. وقبل ما أستوعب اللي بيحصل، مسك إيدين الكرسي المتحرك وراح شده لورا وهبده بقوة.. فردة من الكرسي غرزت في النجيل، والكرسي اتقلب بيا..
في لحظة كأن الزمن فيها وقف، حسيت الدنيا كلها بتتميح بيَّ.. السما بلونها الأبيض والأزرق شفتها بتلف فوق راسي، شميت ريحة التراب ودخان الشوي، وفجأة جـ,ـسمي اتنفض برعب ملوش وصف. وبعدها، اتصدمت بالأرض بكل قوتي على جنبي الشمال. الوجع سمع في حوضي وأسفل ضهري بصرخة مكتومة كتمت نفسي، كوعي اتمسح في حافة الحجر بتاعة الجنينة، وساندة الرجل المعدن خبطت في قصبة رجلي وأنا بقع. وبعدين جت اللحظة الأوسخ من الوجع.. لحظة الضحك. مش الكل ضحك، بس كان فيه عدد كافي إنه يكـ,ـسر قلبي.
ضحكة استهزاء من عمي.. شهقة مكتومة بضحكة من ابن عمي.. وحد قال “يا نهار أبيض” وهو بيضحك، كأنهم لسه فاكرين إن اللي بيحصل ده مجرد خناقة أخوات عادية مش جريمة في حقي. كنت مرمية على النجيل، مكسورة ومذلولة، بحاول أقوم ببطء شديد ورجلي قايدة نار بوجع زي الكهربا أنا حافظاه كويس. و”رائد” كان لسه واقف فوق راسي، وشه أحمر من الانتشاء، وحاسس بانتصار رخيص. زعق وقال: “شفتوا؟ لو كانت فعلاً هي..” وفجأة.. صوت راجل قطع الحفلة من أولها لآخرها.
صوت هادي.. واثق.. وحامي زي موس الحلاقة: — “أنا أقدر أشرح لك إشاعة الرنين بتاعتها بتقول إيه.”
