
سمّاني حرامية، وضرــ,,ـبني بالقلم قدام عشيقته، وطردني من القصر وهو بيصرخ: “على ركبتك واطلعي بره!”… بس لما عرف إن كل حاجة كانت باسمي، كان الوقت فات إنه يترجاني أسامحه. ”الجربوعة دي سرقت ساعة أمي الألماظ؛ لازم تطلع من البيت ده فوراً وهي زاحفة على ركبها!” بصيت بتركيز لـ رودريجو، جوزي، الراجل اللي حبيته بإخلاص يوصل لحد الهبل، وهو ماسك خيمينا من وسطها كأنها هي الضحية في الليلة دي. تحت رجلي، كان الإزاز المكسور بيلمع على رخام الصالة. حتة منه جرحت كف إيدي، والدم كان بينزل براحة وبين صوابعي، دافي وساكت.
— تمام يا رودريجو، قلتها بصوت واطي وأنا ببلع وجعي. لو ده اللي أنت عاوزه، أنا ماشية. دونيا ليونور (حماتي) ضحكت ضحكة ناشفة، من اللي بتطلع من الغل مش من القلب. — بلاش تمثيل يا فاليريا. إحنا آويناكي هنا عطفاً مننا، واديناكي اسم مكنتيش تحلمي بيه. بجد كنتِ فاكرة إنك تقدري تاخدي مكان ست محترمة؟ أنتِ حتى متعرفيش تلبسي حاجة شيك زي الساعة اللي سرقتيها. — أنا مسرقتش حاجة، رديت وأنا كازّة على سناني. القلم نزل على وشي قبل ما ألحق آخد نفسي.
رودريجو هو اللي ضرــ,,ـبني. مكـنتش نرفزة لحظية ولا غلطة.. ده كان قرار. — صوتك ميعلاش على أمي أبداً، قالها ببرود كسر حاجة جوايا. بعدها بص لـ خيمينا بابتسامة حنينة بقاله شهور مورهاليش. “اتعلمي تبصي لها كويس.. هي دي اللي تليق بالمكان ده. متعلمة، وشيك، ومن عيلة كبيرة. مش زيك.. أنتِ لسه ريحتك سوق.” للحظة، الدنيا هديت خالص. حتى المزيكا اللي كانت شغالة في الصالة سكتت في ودني. مكنتش سامعة غير صوت نفسي ونقط الدم وهي بتنزل على أرضية قصر “لاس لوماس” اللي بتبرق.
تلات سنين استحملت ذل وإهانات وتلقيح كلام. طبخت، ونضفت، ورحت مع الست الدكتورة، وجهزت عزايم شغل، وداريت على نزوات رودريجو قدام شركاه، ومع كل ده، كانوا بيعاملوني كأنهم بيمنّوا عليا إني عايشة في بيتهم. خبيت أصلي وحقيقتي لأني صدقت بجد إن الحب يقدر يهد فروق الطبقات. يا دي الهبل اللي كنت فيه. خدت شنطتي القديمة، اللي كانت دونيا ليونور بتبص لها بقرف كأن جلدها المقشر إهانة شخصية ليها. مشيت ناحية الباب من غير ما أبص ورايا، بس قبل ما أخرج وقفت.
— رودريجو، افتكر اللحظة دي كويس أوي، قلتها وصوتي كان هادي جداً. “عشان البيت ده، والشركة اللي بتتباها بيها قدام أصحابك، وحتى الأرض اللي أنت واقف عليها دي دلوقتي… كل ده باسمي أنا.” حصلت لحظة سكوت.. وبعدها انفجروا من الضحك. خيمينا حطت إيدها على بؤها عشان تداري ضحكتها. دونيا ليونور كانت هتشرق من كتر الضحك. رودريجو هز رأسه كأنه بيبص لواحدة مجنونة. — اطلعي بره فوراً قبل ما الحرس يرموكي! صرخت حماتي. فتحت الباب وخرجت في هوا الليل الساقع. مكملتش تلات خطوات، وعربية “جيب” سودا فخمة وقفت قدام البوابة. نزل منها راجل ببدلة وفتح لي الباب وهو بيحنيلى باحترام.
— حمد لله على السلامة يا آنسة فاليريا، قالها. “والدك، السيد أوكتافيو سالفاتيرا، مستنيكي في مقر الشركة. ورق استرداد كل الأصول جاهز.” ورايا، الضحك انقطع فجأة. مبصيتش ورايا. ركبت العربية، طلعت موبايلي وطلبت رقم من غير تردد. — قول للمحامي بتاعي يكلمني حالاً، أمرت بلهجة حازمة. “عاوزة كل الحسابات اللي باسم رودريجو ألكازار تتجمد. دلوقتي.” والعربية ماشية، لمحتهم في المراية، رودريجو وخيمينا وهما بيجروا ناحية البوابة، والموبايلات في إيديهم بترن في نفس الوقت، والذعر مالي وشوشهم.
مكنش عندهم أدنى فكرة هما هببوا إيه. واللي حصل بعد كدة كان فوق خيال أي حد فيهم نزل رودريجو يلحق العربية وهو بيزعق، بس السواق داس بنزين وسابه في غبار الطريق. في اللحظة دي، تليفونه ميسكتش.. مكالمات من البنك، ومكالمات من مديرين الحسابات في الشركة. في مكتب المحامي – الصدمة الكبيرة دخلت الشركة اللي شايلة اسم عيلتي الحقيقي، “مجموعة سالفاتيرا”. بابا كان مستنيني، ملامحه كانت حزينة بس فخورة إني أخيراً فوقت. أوكتافيو (بابا): “تلات سنين يا فاليريا.. تلات سنين ضيعتيهم مع شوية رعام حبوكي عشان فلوسك ولما افتكروا إنك ضعيفة نهشوكي.”
أنا: “خلاص يا بابا، اللعبة انتهت. أنا عاوزة رودريجو يشوف بعينه يعني إيه يرجع للصفر.” في الوقت ده، رودريجو كان بيحاول يدفع حساب العشا الفخم اللي طلبه لـ خيمينا في مطعم غالي عشان ينسوا “نكد” فاليريا.. بس المفاجأة: “يا فندم، كل كروتك مرفوضة، وحسابك متجمد بأمر قضائي.” تاني يوم الصبح، رحت القصر.. بس المرة دي مدخلتش من باب الخدم، دخلت ومعايا قوة من الأمن والمحامي بتاعي. لقيت دونيا ليونور قاعدة بتشرب قهوتها وبتحلم باليوم اللي خيمينا هتبقى فيه هي الكنة الرسمية.
دونيا ليونور (بصدمة): “أنتِ إيه اللي جابك هنا يا حرامية؟ اطلبي البوليس يا خيمينا!” المحامي: “يا هانم، البوليس فعلاً جاي، بس عشان يخرجكم أنتم. القصر ده ملك للآنسة فاليريا سالفاتيرا، والشركة اللي ابنك بيديرها.. الآنسة فاليريا هي صاحبة الأسهم الأكبر فيها.” دخل رودريجو وهو شعره منكوش وعينيه حمرا من قلة النوم بعد ما عرف إن حسابه في البنك بقى “صفر”. رودريجو (بذل): “فاليريا.. حبيبتي.. أكيد فيه سوء تفاهم. أنا كنت متعصب بس، أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه.”
أنا (بضحكة باردة): “بتحبني؟ ولا بتحب الساعة الألماظ اللي اتهمتني بسرقتها وهي أصلاً كانت هدية من بابا ليا قبل ما أتجوزك؟” بصيت لـ خيمينا اللي كانت بتلم شنطتها بسرعة عشان تهرب قبل ما المركب تغرق: “على فكرة يا خيمينا، رودريجو معندوش دلوقتي غير اللبس اللي هو لابسه.. تحبي تكملي معاه؟” خيمينا بصت لـ رودريجو بقرف وسابته وخرجت من غير ولا كلمة. رميت ورقة الطلاق في وش رودريجو وقلت له الجملة اللي كان بيقولها لي دايماً بس المرة دي بجد:
”السوق اللي كنت بتقول إن ريحتي منه.. هو اللي عمل الفلوس اللي كنت بتصرف منها. دلوقتي، اخرج بره بيتي.. وعلى ركبك زي ما طلبت مني!” وقف رودريجو وأمّه في الشارع بشنط هدومهم، بيتفرجوا على بوابة القصر وهي بتتقفل في وشهم للأبد. أما أنا، فـ رجعت لمكاني الطبيعي.. فاليريا سالفاتيرا، الست اللي مفيش راجل يقدر يكسرها تاني. بعد ما البوابة اتفلت في وشهم، رودريجو مكنش مستوعب إن حياته اتقلبت في ليلة وضحاها. حاول يروح لبيوت صحابه “الأغنياء”، بس الخبر كان سبق الكل: “رودريجو ألكازار مبقاش حيلته مليم والكل عرف إنه كان عايش عالة على مراته”.
بعد أسبوع، كنت قاعدة في مكتبي في الدور الخمسين، السكرتيرة دخلت وقالت لي إن فيه واحد اسمه رودريجو واقف تحت وبيمــ,,ـوت عشان يقابلني. أنا: “خليه يستنى.. خليه يستنى تلات ساعات، نفس الوقت اللي كنت بستناه فيه لما كان بيسهر مع خيمينا وأنا قاعدة مستنياه بالعشا.” لما دخل، كان شكله مبهدل، البدلة اللي كانت دايماً مكوية وماركة، بقت دبلانة، وعينيه مكسورة. رودريجو (بصوت بيترعش): “فاليريا، أرجوكي.. أمي تعبانة ومش لاقية تمن الدوا، وإحنا قاعدين في بنسيون رخيص.. أنا مستعد أبوس رجلك بس رجعيلي منصبي في الشركة.”
أنا (بكل برود): “منصبك؟ أنت كنت مدير عشان كنت جوزي.. دلوقتي أنت مجرد شخص غريب ومعندكش خبرة، والشركة دي مبيشتغلش فيها غير الكفاءات.” طلعت من شنطتي الساعة الألماظ اللي اتهموني بسرقتها، وحطيتها قدامه على المكتب. أنا: “فاكر دي؟ الساعة دي تمنها كفيل يخليك تعيش مستور أنت وأمك سنة كاملة.. خدها.” مد إيده بلهفة عشان ياخدها، بس سحبتها منه في آخر لحظة. أنا: “بس الساعة دي ملكي.. وبما إنك “ابن عيلة” وشهم زي ما كنت بتقول، أكيد كرامتك متهونش عليك تاخد حاجة من “جربوعة” زيي.. مش كدة؟”
رميت له ورقة صغيرة فيها عنوان “سوق” شعبي بعيد. أنا: “هناك فيه محل خضار محتاج عمال يشيلوا القفاص.. روح هناك، شم ريحة الشغل بجد، وابدأ من الصفر لو تقدر.. ده لو عرفت يعني إيه تكون راجل وتعتمد على نفسك.” خرج رودريجو وهو بيعيط من القهر، وأنا وقفت قدام الشباك وبصيت للمدينة من فوق. مكنش شعوري هو الشماتة، كان شعور بالحرية.. الحرية من حب كان حابسني في سجــ,,ـن صغير اسمه “الإرضاء”. دونيا ليونور اضطرت تبيع دهبها عشان تعيش، وخيمينا اختفت تماماً بعد ما لقت صيد جديد، ورودريجو بقى عبرة لكل واحد يفتكر إن الطيبة ضعف.
”الست لما بتحب بتدي كل حاجة.. بس لما بتتقلب، بتاخد كل حاجة.. ومعاها الفوايد كمان.”


